الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
139
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و في « الكشاف » قيل نزلت لأنّ رجلا قال : يا رسول اللّه نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك . قال : « لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون اللّه ، ولكن أكرموا نبيئكم واعرفوا الحق لأهله » . قلت : أخرجه عبد بن حميد عن الحسن ، فعلى تقدير كونه حديثا مقبولا فمناسبة ذكر هذه الآية أنها قص منها الردّ على جميع هذه المعتقدات . ووقع في أسباب النزول للواحدي من رواية الكلبي ، عن ابن عباس : أنّ أبا رافع اليهودي والسيد من نصارى نجران قالا يا محمد : « أتريد أن نعبدك » فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « معاذ اللّه أن يعبد غير اللّه » ونزلت هذه الآية . وقوله : ما كانَ لِبَشَرٍ نفي لاستحقاق أحد لذلك القول واللام فيه للاستحقاق . وأصل هذا التركيب في الكلام ما كان فلان فاعلا كذا ، فلما أريدت المبالغة في النفي عدل عن نفي الفعل إلى نفي المصدر الدال على الجنس ، وجعل نفي الجنس عن الشخص بواسطة نفي الاستحقاق إذ لا طريقة لحمل اسم ذات على اسم ذات إلّا بواسطة بعض الحروف ، فصار التركيب : ما كان له أن يفعل ، ويقال أيضا : ليس له أن يفعل ، ومثل ذلك في الإثبات كقوله تعالى : إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى [ طه : 118 ] . فمعنى الآية : ليس قول كُونُوا عِباداً لِي حقا لبشر أيّ بشر كان . وهذه اللام هي أصل لام الجحود التي في نحو وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ [ الأنفال : 33 ] ، فتراكيب لام الجحود كلّها من قبيل قلب مثل هذا التركيب لقصد المبالغة في النفي ، بحيث ينفى أن يكون وجود المسند إليه مجعولا لأجل فعل كذا ، أي فهو بريء منه بأصل الخلقة ولذلك سميت جحودا . والمنفي في ظاهر هذه الآية إيتاء الحكم والنبوءة ، ولكن قد علم أنّ مصبّ النفي هو المعطوف من قوله : ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي أي ما كان له أن يقول كونوا عبادا لي إذا آتاه اللّه الكتاب إلخ . والعباد جمع عبد كالعبيد ، وقال ابن عطية : « الذي استقريت في لفظ العباد أنه جمع عبد لا يقصد معه التحقير ، والعبيد يقصد منه ، ولذلك قال تعالى : « يا عبادي » وسمّت العرب طوائف من العرب سكنوا الحيرة ودخلوا تحت حكم كسرى بالعباد ، وقيل لأنهم تنصّروا فسموهم بالعباد ، بخلاف جمعه على عبيد كقولهم : هم عبيد العصا ، وقال حمزة بن المطلب هل أنتم إلّا عبيد لأبي ومنه قول اللّه تعالى : وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ فصلت : 46 ] ؛ لأنّه مكان تشفيق وإعلام بقلة مقدرتهم وأنه تعالى ليس بظلّام لهم مع ذلك ، ولما